فصل: (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهِ وَرُكْنِهِ وَحُكْمِهِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفتاوى الهندية



.(الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ):

إذَا شَرِبَ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ فَأُوجِرَ الْعَاشِرَ فَسَكِرَ لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ يُضَافُ إلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
وَلَوْ خُلِطَ عَصِيرُ الْعِنَبِ بِعَصِيرِ التَّمْرِ أَوْ بِنَقِيعِ الزَّبِيبِ ثُمَّ طُبِخَ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَكَذَا إذَا صُبَّ فِي الْمَطْبُوخِ قَدَحٌ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوْ عَصِيرِ الرُّطَبِ أَوْ نَبِيذِ التَّمْرِ أَوْ نَقِيعِ الزَّبِيبِ، وَهُوَ نِيءٌ ثُمَّ اشْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ لَمْ يَحِلَّ فَإِنْ طُبِخَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ إنْ كَانَ الْمَصْبُوبُ فِيهِ عَصِيرَ الْعِنَبِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ، وَإِنْ كَانَ الْمَصْبُوبُ مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ يَكْفِي أَصْلُ الطَّبْخِ لِلْحِلِّ، وَلَوْ أُلْقِيَ فِي الْمَطْبُوخِ عِنَبٌ أَوْ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ ثُمَّ اشْتَدَّ رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إنْ كَانَ الْمُلْقَى قَلِيلًا لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ نَبِيذٌ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لَا بَأْسَ بِشُرْبِهِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يُتَّخَذُ النَّبِيذُ مِنْ مِثْلِهِ ثُمَّ اشْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ لَمْ يَحِلَّ كَذَا فِي الْغِيَاثِيَّةِ.
وَلَوْ طُبِخَ الْعِنَبُ كَمَا هُوَ ثُمَّ يُعْصَرُ يُكْتَفَى بِأَدْنَى طَبْخَةٍ كَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ فِيهِ قَائِمٌ فَيَسْتَوِي اعْتِبَارُ الطَّبْخِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقَبْلَهُ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَوْ أُلْقِيَ الْعِنَبُ فِي نَبِيذِ التَّمْرِ أَوْ فِي نَبِيذِ الْعَسَلِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يُطْبَخَ وَيَذْهَبَ ثُلُثَاهُ كَمَا فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
فَإِنْ جُمِعَ فِي الطَّبْخِ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ بَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ بِالطَّبْخِ ثُلُثَاهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خُلِطَ عَصِيرُ الْعِنَبِ بِنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ النَّبِيذَ الْمَطْبُوخَ إنْ لَمْ يَفْسُدْ بِالْبَقَاءِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ يَفْسُدُ فَهُوَ حَلَالٌ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ.
التَّمْرُ الْمَطْبُوخُ يُمْرَسُ فِيهِ الْعِنَبُ وَالْعِنَبُ غَيْرُ مَطْبُوخٍ فَيَغْلِيَانِ جَمِيعًا قَالَ يُكْرَهُ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ حَتَّى يَسْكَرَ إذَا كَانَ التَّمْرُ الْمَطْبُوخُ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ غَالِبًا يُحَدُّ كَمَا لَوْ خُلِطَ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ اُعْتُبِرَ الْغَالِبُ فَكَذَا هَذَا.
وَلَوْ طُبِخَ عَصِيرٌ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُهُ، وَتَرَكَهُ حَتَّى بَرَدَ ثُمَّ أَعَادَ الطَّبْخَ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُ مَا بَقِيَ فَإِنْ أَعَادَ الطَّبْخَ قَبْلَ أَنْ يَغْلِيَ وَيَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الْعَصِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ وُجِدَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِالْغَلَيَانِ وَالشِّدَّةِ فَإِنْ أَعَادَ الطَّبْخَ بَعْدَ أَنْ غَلَى وَتَغَيَّرَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ الثَّانِيَ وُجِدَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ فَلَا يَنْفَعُ، وَإِذَا طَبَخَ عَشَرَةَ أَرْطَالِ عَصِيرٍ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ رِطْلٌ ثُمَّ أَهْرَاقَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ ثُمَّ أَرَادَ طَبْخَ الْبَقِيَّةِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ يَطْبُخُ حَتَّى يَبْقَى مِنْهُ رِطْلَانِ وَتُسْعَا رِطْلٍ؛ لِأَنَّ الرِّطْلَ الَّذِي ذَهَبَ بِالطَّبْخِ دَخَلَ فِي تِسْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي أَجْزَاءِ الْبَاقِي، وَلَمْ يُرْفَعْ مِنْهُ فَالْبَاقِي بَعْدَ الْغَلَيَانِ إنْ كَانَ تِسْعَةَ أَرْطَالٍ صُورَةً فَهُوَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ مَعْنًى فَاقْسِمْ الرِّطْلَ الْعَاشِرَ عَلَى تِسْعَةِ أَرْطَالٍ فَصَارَ مَعَ كُلِّ رِطْلٍ مِنْ التِّسْعَةِ الْبَاقِيَةِ تُسْعُ الرِّطْلِ الْعَاشِرِ لِأَنَّ الْعَاشِرَ فِيهِ فَإِذَا أَهْرَاقَ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ فَقَدْ فَاتَ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ، وَثَلَاثَةُ أَتْسَاعِ رِطْلٍ، وَبَقِيَ سِتَّةُ أَرْطَالٍ، وَسِتَّةُ أَتْسَاعِ رِطْلٍ فَيَطْبُخُ حَتَّى يَبْقَى رِطْلَانِ وَتُسْعَا رِطْلٍ، فَإِنْ كَانَ ذَهَبَ مِنْهُ بِالْغَلَيَانِ رِطْلَانِ ثُمَّ أَهْرَاقَ رِطْلَيْنِ فَإِنَّهُ يَطْبُخُ حَتَّى يَبْقَى مِنْهُ رِطْلَانِ وَنِصْفٌ، وَلَوْ ذَهَبَ بِالْغَلَيَانِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ ثُمَّ أَهْرَاقَ مِنْهُ رِطْلًا يَطْبُخُ الْبَاقِيَ حَتَّى يَبْقَى مِنْهُ رِطْلَانِ وَثُلُثَا رِطْلٍ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ صَبَّ رَجُلٌ فِي قِدْرٍ عَشَرَةَ دَوَارِقَ عَصِيرٍ وَعِشْرِينَ دَوْرَقًا مِنْ مَاءٍ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَذْهَبُ بِالطَّبْخِ قَبْلَ الْعَصِيرِ فَإِنَّهُ يَطْبُخُهُ حَتَّى يَذْهَبَ ثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِهِ وَيَبْقَى التُّسْعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالْغَلَيَانِ فَالذَّاهِبُ هُوَ الْمَاءُ فَقَطْ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَطْبُخَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَا يَذْهَبُ بِالطَّبْخِ قَبْلَ الْعَصِيرِ فَإِنَّهُ يَطْبُخُهُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَصِيرُ مَعَ الْمَاءِ يَذْهَبَانِ مَعًا فَإِنَّهُ يَطْبُخُهُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْغَلَيَانِ ثُلُثَا الْعَصِيرِ وَثُلُثَا الْمَاءِ، وَالْبَاقِي ثُلُثُ الْعَصِيرِ وَثُلُثُ الْمَاءِ فَهُوَ وَمَا لَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي الْعَصِيرِ بَعْدَ مَا طَبَخَهُ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ سَوَاءٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَأَمَّا الْأَشْرِبَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ الذُّرَةِ أَوْ التُّفَّاحِ أَوْ الْعَسَلِ إذَا اشْتَدَّ، وَهُوَ مَطْبُوخٌ أَوْ غَيْرُ مَطْبُوخٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ شُرْبُهُ مَا دُونَ السَّكَرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حَرَامٌ شُرْبُهُ قَالَ الْفَقِيهِ: وَبِهِ نَأْخُذُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
فَإِنْ سَكِرَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ فَالسَّكَرُ وَالْقَدَحُ الْمُسْكِرُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ إذَا سَكِرَ قَالَ الْفَقِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لَا يُحَدُّ فِيمَا لَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْخَمْرِ، وَهُوَ التَّمْرُ وَالْعِنَبُ كَمَا لَا يُحَدُّ مِنْ الْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحَدُّ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
فَإِنْ شَرِبَ رَجُلٌ مَاءً فِيهِ خَمْرٌ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ طَعْمُ الْخَمْرِ، وَلَا رِيحُهَا، وَلَا لَوْنُهَا لَمْ يُحَدَّ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَمْرُ غَالِبًا حَتَّى كَانَ يُوجَدُ فِيهِ طَعْمُهَا وَرِيحُهَا وَتَبَيَّنَ لَوْنُهَا حَدَدْتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ فِيهِ رِيحَهَا وَوَجَدَ طَعْمَهَا حُدَّ، وَلَوْ مَلَأَ فَاهُ خَمْرًا ثُمَّ مَجَّهُ، وَلَمْ يُدْخِلْ جَوْفَهُ مِنْهَا شَيْئًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا أَثْرَدَ فِي الْخَمْرِ خُبْزًا فَأَكَلَ الْخُبْزَ إنْ كَانَ الطَّعْمُ يُوجَدُ فِيهِ وَتَبَيَّنَ اللَّوْنُ حَدَدْتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْخَمْرُ بَيْضَاءَ لَا يُرَى لَوْنُهَا فَإِنِّي أَحُدُّهُ إذَا كَانَ الطَّعْمُ يُوجَدُ.
وَفِي الْبَقَّالِيِّ: إذَا عُجِنَ الدَّوَاءُ بِالْخَمْرِ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ يَعْنِي فِي حَقِّ الْحَدِّ، وَإِذَا ادَّعَى الْإِكْرَاهَ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْإِكْرَاهُ مُعْتَبَرٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْبَابِ تَصَرُّفَاتُ السَّكْرَانِ:

وَاعْلَمْ بِأَنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفَاتِ السَّكْرَانِ نَافِذَةٌ إلَّا الرِّدَّةَ، وَالْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى- كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ السَّكْرَانُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ نَحْوِ النَّبِيذِ وَالْمُثَلَّثِ وَغَيْرِهِ عِنْدَنَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَتَزْوِيجِ الِابْنَةِ الصَّغِيرَةِ وَالِابْنِ الصَّغِيرِ وَالْإِقْرَاضِ وَالِاسْتِقْرَاضِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ إذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَبِهِ أَخَذَ الْمَشَايِخُ وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَحْيَدِ أَنَّهُ قَالَ: يَنْفُذُ مِنْ السَّكْرَانِ كُلُّ تَصَرُّفٍ يَنْفُذُ مَعَ الْهَزْلِ، وَلَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فَلَا يَنْفُذُ مِنْهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَيَنْفُذُ مِنْهُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَتَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ أَمَّا رِدَّتُهُ فَلَا تَصِحُّ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا، وَتَصِحُّ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ وَاجِبُ النَّفْيِ وَالِانْعِدَامِ لَا وَاجِبُ التَّحَقُّقِ؛ وَلِهَذَا لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ خَطَأً لَا يَكْفُرُ، هَذَا إذَا كَانَ السُّكْرُ مِنْ الشَّرَابِ الْمُتَّخَذِ مِنْ أَصْلِ الْخَمْرِ نَحْوِ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ، وَأَمَّا السُّكْرُ مِنْ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعَسَلِ وَالثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، وَهُوَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ فَمَنْ قَالَ: يَجِبُ الْحَدُّ بِالسُّكْرِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ يَقُولُ: تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ لِيَكُونَ زَجْرًا لَهُ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ، وَهُوَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- يَقُولُ: لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ؛ لِأَنَّ نَفَاذَ التَّصَرُّفِ كَانَ لِلزَّجْرِ فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عِنْدَهُمَا زَجْرًا لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ.
وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالْبَنْجِ أَوْ بِلَبَنِ الرِّمَاكِ لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ.
وَكَذَا لَوْ شَرِبَ شَرَابًا حُلْوًا فَلَمْ يُوَافِقْهُ فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَطَلَّقَ قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى هَذَا كُلُّهُ فِي السَّكْرَانِ إذَا شَرِبَ طَائِعًا، وَإِنْ شَرِبَ مُكْرَهًا فَطَلَّقَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ يَقَعُ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
الْوَكِيلُ بِالطَّلَاقِ إذَا سَكِرَ وَطَلَّقَ قَالَ شَدَّادٌ لَا يَقَعُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
السُّكْرُ مِنْ الْبَنْجِ وَلَبَنِ الرَّمَكَةِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ.
وَإِنْ خُلِطَ الْخَمْرُ بِالنَّبِيذِ وَشَرِبَهُ رَجُلٌ، وَلَمْ يَسْكَرْ فَإِنْ كَانَتْ الْخَمْرُ هِيَ الْغَالِبَةَ حَدَدْتُهُ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيذُ هُوَ الْغَالِبَ لَمْ نَحُدَّهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا طَبَخَ عَصِيرًا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُهُ ثُمَّ صَنَعَ مِنْهُ عَلِيقًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ صَنَعَهُ بَعْدَ مَا غَلَى وَتَغَيَّرَ عَنْ حَالَةِ الْعَصِيرِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَى، وَاشْتَدَّ صَارَ مُحَرَّمًا.
وَالْعَلِيقُ الْمُتَّخَذ مِنْ الْمُحَرَّمِ لَا يَكُونُ حَلَالًا كَالْمُتَّخَذِ مِنْ الْخَمْرِ فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ فَهُوَ حَلَالُ الشُّرْبِ.
فَأَمَّا صُنْعُ الْعَلِيقِ مِنْ عَصِيرٍ فَحَلَالٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
الْقِدْرُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيهَا الْعَصِيرُ قِدْرٌ قَاعِدَتُهَا مُسَطَّحَةٌ غَيْرُ مُقَعَّرَةٍ، وَجِدَارُهَا الْمُحِيطُ بِهَا مُسْتَدِيرٌ فِي ارْتِفَاعِهِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَارْتِفَاعُهَا مَقْسُومٌ بِثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ، فَتُمْلَأُ وَتُطْبَخُ إلَى أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَرْجِعَ الْبَاقِي فِي الْقِدْرِ إلَى الْعَلَامَةِ السُّفْلَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْبَخَ طَبْخًا مَوْصُولًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ.
فَإِنْ انْقَطَعَ الطَّبْخُ قَبْلَ ذَهَابِ ثُلُثَيْ الْعَصِيرِ قَالُوا: هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ أُعِيدَ قَبْلَ تَغَيُّرِ الْمَطْبُوخِ وَحُدُوثِ الْمَرَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا فِيهَا كَانَ حَلَالًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّبْخِ الْمَوْصُولِ، وَإِنْ أُعِيدَ الطَّبْخُ بَعْدَ تَغَيُّرِ الْمَطْبُوخِ وَحُدُوثِ الْمَرَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا كَانَ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ أَنْ يُجْعَلَ بِمَنْزِلَةِ الطَّبْخِ الْمَوْصُولِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَأَمَّا الْوِسَاقُ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبُقُولِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ بِالْمَاءِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ مَا حُكْمُهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْرِ وَقِيلَ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ نَقِيعِ الزَّبِيبِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
خَابِيَةُ مِنْ خَمْرٍ صُبَّتْ فِي نَهْرٍ عَظِيمٍ مِثْلِ الْفُرَاتِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ وَرَجُلٌ أَسْفَلَ مِنْهُ يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَوْ يَشْرَبُ مِنْهُ إنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِي الْمَاءِ طَعْمُ الْخَمْرِ، وَلَا لَوْنُهَا، وَلَا رِيحُهَا يُبَاحُ الشُّرْبُ وَالتَّوَضُّؤُ، وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُبَاحُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
سَأَلْتُ أَبَا يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَنْ حَبَّاتِ عِنَبٍ وَقَعَتْ فِي نَبِيذٍ فَانْتَقَعَتْ قَالَ: إنْ كَانَتْ الْحَبَّاتُ وَحْدَهَا لَوْ أُنْبِذَتْ غَلَتْ فَإِذَا وَقَعَتْ فِي نَبِيذٍ فَغَلَى بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُشْرَبُ النَّبِيذُ، وَإِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا لَا تَغْلِي فَلَا بَأْسَ بِشُرْبِهِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ صُبَّ الْخَمْرُ فِي قَدَحٍ مِنْ الْمَاءِ أَوْ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ لَا يَحِلُّ شُرْبُ ذَلِكَ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ قَلِيلٌ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَيَتَنَجَّسُ فَإِنْ شَرِبَهُ إنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِيهِ طَعْمُ الْخَمْرِ، وَلَا لَوْنُهَا، وَلَا رِيحُهَا لَا يُحَدُّ، وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُحَدُّ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
ذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْمُنْتَقَى فِي خَمْرٍ وَقَعَتْ فِي دِنٍّ الْخَلِّ قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ بَعْدَ هَذَا فِي الْمُنْتَقَى فِي الْخَمْرِ إذَا جُعِلَ فِي الْمَرِيءِ وَالْمَرِيءُ هُوَ الْغَالِبُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ صُبَّ رِطْلٌ مِنْ خَمْرٍ فِي دَنٍّ مِنْ خَلٍّ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ فَقَدْ اُعْتُبِرَ الْغَالِبُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْخَمْرِ إذَا وَقَعَتْ فِي النَّبِيذِ الشَّدِيدِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ حَلَالٌ قَالَ: الْخَمْرُ تُفْسِدُهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا صُبَّ الْخَمْرُ فِي ظَرْفٍ يَتَنَجَّسُ الظَّرْفُ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْخَمْرُ مِنْ الظَّرْفِ يُغْسَلُ الظَّرْفُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ إنْ كَانَ عَتِيقًا، وَإِنْ كَانَ ظَرْفًا جَدِيدًا صُبَّ فِيهِ الْخَمْرُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَيَطْهُرُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَطْهُرُ أَبَدًا، وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إنْ لَمْ يُجَفَّفْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لَكِنْ مَلَأَهُ بِالْمَاءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَمَا دَامَ الْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْهُ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ لَا يَطْهُرُ وَإِذَا خَرَجَ الْمَاءُ صَافِيًا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ الظَّرْفُ، وَبَقِيَ الْخَمْرُ فِيهِ حَتَّى صَارَ خَلًّا لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْكِتَابِ حُكْمَ الظَّرْفِ، وَحُكِيَ عَنْ الْحَاكِمِ أَبِي نَصْرٍ الْمَهْرَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: مَا يُوَازِي الْإِنَاءَ مِنْ الْخَلِّ يَطْهُرُ أَمَّا أَعْلَى الْحُبِّ الَّذِي انْتَقَصَ مِنْهُ الْخَمْرُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا يَكُونُ نَجِسًا فَيُغْسَلُ أَعْلَاهُ بِالْخَلِّ حَتَّى يَطْهُرَ الْكُلُّ، وَإِنْ لَمْ يُفْعَلْ كَذَلِكَ حَتَّى صُبَّ الْعَصِيرُ فِيهِ، وَمَلَأَهُ يَتَنَجَّسُ الْعَصِيرُ، وَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ عَصِيرٌ خَالَطَهُ خَمْرٌ وَحُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَارَ مَا فِيهِ مِنْ الْخَمْرِ خَلًّا يَطْهُرُ الظَّرْفُ كُلُّهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَاخْتَارَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَقَالَ صَاحِبَاهُ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إنَّمَا لَا يُكْرَهُ إذَا بَاعَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ بِثَمَنٍ لَا يَشْتَرِيهِ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ أَمَّا إذَا وَجَدَ مُسْلِمًا يَشْتَرِيهِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ يُكْرَهُ إذَا بَاعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْكَرْمَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَّخِذُ الْعِنَبَ خَمْرًا لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ قَصْدُهُ مِنْ الْبَيْعِ تَحْصِيلَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ تَحْصِيلَ الْخَمْرِ يُكْرَهُ وَغِرَاسَةُ الْكَرْمِ عَلَى هَذَا إذَا كَانَ يَغْرِسُ الْكَرْمَ بِنِيَّةِ تَحْصِيلِ الْخَمْرِ يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ لِتَحْصِيلِ الْعِنَبِ لَا يُكْرَهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَبِيعَ الْعَصِيرَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(كِتَابُ الصَّيْدِ):

وَفِيهِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ:

.(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهِ وَرُكْنِهِ وَحُكْمِهِ):

أَمَّا تَفْسِيرُهُ فَالصَّيْدُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْمُتَوَحِّشُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ الْآدَمِيِّ مَأْكُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَأَمَّا رُكْنُهُ فَصُدُورُ فِعْلِ الِاصْطِيَادِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ بِشَرْطِهِ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ فَثُبُوتُ الْمِلْكِ عِنْدَ الِاتِّخَاذِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا أَعْنِي بِالتَّقْدِيرِ مَا إذَا أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ.
وَأَمَّا حِلُّ أَكْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ شَرْطًا خَمْسَةٌ فِي الصَّائِدِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، وَأَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الْإِرْسَالُ، وَأَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْإِرْسَالِ مَنْ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وَأَنْ لَا يَتْرُكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا، وَأَنْ لَا يَشْتَغِلَ بَيْنَ الْإِرْسَالِ وَالْأَخْذِ بِعَمَلٍ آخَرَ، وَخَمْسَةٌ فِي الْكَلْبِ: أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا، وَأَنْ يَذْهَبَ عَلَى سُنَنِ الْإِرْسَالِ، وَأَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْأَخْذِ مَا لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وَأَنْ يَقْتُلَهُ جُرْحًا، وَأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ، وَخَمْسَةٌ فِي الصَّيْدِ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ دَوَابِّ الْمَاءِ إلَّا السَّمَكُ، وَأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ بِجَنَاحَيْهِ أَوْ بِقَوَائِمِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَقَوِّيًا بِنَابِهِ أَوْ بِمِخْلَبِهِ، وَأَنْ يَمُوتَ بِهَذَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَبْحِهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا يُمْلَكُ بِهِ الصَّيْدُ وَمَا لَا يُمْلَكُ بِهِ):

الصَّيْدُ يُمْلَكُ بِالْأَخْذِ وَالْأَخْذُ نَوْعَانِ حَقِيقِيٌّ وَحُكْمِيٌّ فَالْحَقِيقِيُّ ظَاهِرٌ، وَالْحُكْمِيُّ بِاسْتِعْمَالِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلِاصْطِيَادِ قَصَدَ بِهِ الِاصْطِيَادَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ حَتَّى إنَّ مَنْ نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ مَلَكَهُ صَاحِبُ الشَّبَكَةِ قَصَدَ بِنَصْبِ الشَّبَكَةِ الِاصْطِيَادَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ؛ لِأَنَّ الشَّبَكَةَ إنَّمَا تُنْصَبُ لِأَجْلِ الصَّيْدِ حَتَّى لَوْ نَصَبَهَا لِلْجَفَافِ فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ لَا يَتَمَلَّكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ آخِذًا لَهُ بِالشَّبَكَةِ، وَالْأَخْذُ الْحُكْمِيُّ يَكُونُ أَيْضًا بِاسْتِعْمَالِ مَا لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لِلِاصْطِيَادِ إذَا قَصَدَ بِهِ الِاصْطِيَادَ حَتَّى إنَّ مَنْ نَصَبَ فُسْطَاطًا، وَتَعَقَّلَ بِهِ صَيْدٌ إنْ قَصَدَ بِنَصْبِ الْفُسْطَاطِ الصَّيْدَ مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الصَّيْدَ لَا يَمْلِكُهُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَأَخَذَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَخَلَّصَ وَيَطِيرَ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ انْعَقَدَ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ السَّبَبُ بَعْدُ حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ الثَّانِي بَعْدَ مَا تَخَلَّصَ، وَطَارَ فَهُوَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ انْتَقَضَ السَّبَبُ قَبْلَ أَخْذِ الثَّانِي كَذَا فِي الْكُبْرَى وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الشَّبَكَةِ أَخَذَهُ ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُ فَهُوَ مِلْكٌ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْأَخْذِ وَانْفِلَاتُهُ بِمَنْزِلَةِ إبَاقِ الْعَبْدِ وَشُرُودِ الْبَعِيرِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِهِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ هَيَّأَ مَوْضِعًا يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ إلَى أَرْضٍ لَهُ لِيَصِيدَ السَّمَكَ فِي أَرْضِهِ فَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى أَرْضِهِ بِسَمَكٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ ذَهَبَ الْمَاءُ وَبَقِيَ السَّمَكُ فِي أَرْضِهِ، أَوْ لَمْ يَذْهَبْ الْمَاءُ إلَّا أَنَّهُ قَلَّ حَتَّى صَارَ السَّمَكُ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَى هَذَا السَّمَكِ، وَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا ضَمِنَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَا يُقْدَرُ عَلَى السَّمَكِ الَّذِي فِيهِ إلَّا بِصَيْدٍ فَمَنْ اصْطَادَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَلَوْ أَلْقَى الشَّبَكَةَ فِي الْمَاءِ وَطَرَحَ غَيْرُهُ فِيهِ الشَّصَّ فَوَقَعَتْ سَمَكَةٌ فِي الشَّبَكَةِ وَتَعَلَّقَتْ بِالشَّصِّ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْخُيُوطِ الضَّيِّقَةِ مِنْ الشَّبَكَةِ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ كَذَا فِي الْغِيَاثِيَّةِ.
الشَّصُّ إذَا رَمَى بِهِ الرَّجُلُ فِي الْمَاءِ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ سَمَكَةٌ إنْ رَمَى بِهَا خَارِجَ الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا فَاضْطَرَبَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَاءِ مَلَكَهَا، وَإِنْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ الْمَاءِ لَا يَمْلِكُهَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
رَجُلٌ حَفَرَ فِي أَرْضِهِ حَفِيرَةً، وَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ فَجَاءَ رَجُلٌ، وَأَخَذَهُ فَإِنَّ الصَّيْدَ يَكُونُ لِلْآخِذِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ اتَّخَذَ تِلْكَ الْحَفِيرَةَ لِأَجْلِ الصَّيْدِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالصَّيْدِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ أَنَّ صَيْدًا بَاضَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ أَوْ تَكَنَّسَ فِيهَا وَجَاءَ آخَرُ، وَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ هَذَا إذَا كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بَعِيدًا مِنْ الصَّيْدِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ لَوْ مَدَّ يَدَهُ أَمَّا إذَا كَانَ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ أَخَذَهُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الِاصْطِيَادَ فَوَقَعَ الصَّيْدُ فِيهَا فَجَاءَ آخَرُ وَأَخَذَهُ إنْ دَنَا صَاحِبُ الْبِئْرِ مِنْ الصَّيْدِ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَذَكَرَ فِي الْعُيُونِ إذَا دَخَلَ الصَّيْدُ دَارَ إنْسَانٍ وَأَغْلَقَ صَاحِبُ الدَّارِ الْبَابَ عَلَيْهِ، وَصَارَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ صَيْدٍ فَإِنْ أَغْلَقَ الْبَابَ لِأَجْلِ الصَّيْدِ مَلَكَهُ، وَإِنْ أَغْلَقَهُ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ آخَرُ كَانَ لِصَاحِبِ الدَّارِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَكُونُ لِلْآخِذِ قَالَ مَشَايِخُنَا: وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ صَيْدٍ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي أَخْذِهِ إلَى الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهُ بِقَلِيلِ الْمُعَالَجَةِ مِنْ غَيْرِ نَصْبِ شَبَكَةٍ.
وَفِي الْمُنْتَقَى نَصَبَ حِبَالَةً فَوَقَعَ بِهَا صَيْدٌ فَاضْطَرَبَ، وَقَطَعَهَا وَانْفَلَتَ، فَجَاءَ آخَرُ وَأَخَذَ الصَّيْدَ فَالصَّيْدُ لِلْآخِذِ، وَلَوْ جَاءَ صَاحِبُ الْحِبَالَةِ لِيَأْخُذَهُ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ إنْ شَاءَ اضْطَرَبَ حَتَّى انْفَلَتَ فَأَخَذَهُ آخَرُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْحِبَالَةِ، وَكَذَا صَيْدُ الْكَلْبِ وَالْبَازِي عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَالْحِبَالَةُ خَيْطٌ مُسْتَدِيرٌ يَتَعَقَّلُ بِهِ رَأْسُ الصَّيْدِ أَوْ رِجْلُهُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَمَنْ أَخَذَ بَازِيًا أَوْ شِبْهَهُ فِي مِصْرٍ أَوْ سَوَادٍ فِي رِجْلَيْهِ سَيْرٌ أَوْ جَلَاجِلُ وَيُعْرَفُ أَنَّهُ أَهْلِيٌّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ ظَبْيًا، وَفِي عُنُقِهِ قِلَادَةٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ حَمَامَةً فِي الْمِصْرِ يَعْرِفُ أَنَّ مِثْلَهَا لَا يَكُونُ وَحْشِيًّا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ؛ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ اتَّخَذَ بُرْجَ حَمَامٍ فَأَوْكَرَتْ فِيهَا حَمَامُ النَّاسِ فَمَا يَأْخُذُ مِنْ فِرَاخِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ لِأَنَّ الْفَرْخَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا يَحِلُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ لِحَاجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى فَقِيرٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَيَتَنَاوَلَ، وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَكَانَ مُولَعًا بِأَكْلِ الْحَمَامِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي رَجُلٍ رَمَى صَيْدًا، فَصَرَعَهُ فَغُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَشْيُ فَمَضَى أَوْ كَانَ طَائِرًا فَطَارَ فَرَمَاهُ رَجُلٌ آخَرُ فَصَرَعَهُ، وَأَخَذَهُ فَهُوَ لِلْآخِذِ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ الْأَوَّلُ فِي غَشْيَتِهِ تِلْكَ، وَأَخَذَهُ الْآخَرُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ قَبْلَ اسْتِقْلَالِهِ وَتَحَامُلِهِ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ وَالِاسْتِقْلَالُ الِارْتِفَاعُ.
رَجُلٌ رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ جِرَاحَةً لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا النُّهُوضَ أَيْ الْقِيَامَ فَلَبِثَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ بَرِئَ، وَتَمَاثَلَ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ، وَأَخَذَهُ فَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَإِذَا رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ، وَأَثْخَنَهُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ بَرَاحًا مِنْ مَكَانِهِ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ، فَأَصَابَهُ وَمَاتَ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الرَّمْيَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيَّةِ الرَّمْيَتَيْنِ مَاتَ أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الرَّمْيَةِ الْأُولَى حَلَّ، وَالْعِبْرَةُ فِي حَقِّ الْحِلِّ لِوَقْتِ الرَّمْيِ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ، وَلَمْ يُثْخِنْهُ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلثَّانِي وَيُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَثْخَنَهُ فَرَمَاهُ الْآخَرُ فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَلَمْ يُؤْكَلْ، وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ مُضَافًا إلَى الرَّمْيِ الثَّانِي أَمَّا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ بِأَنْ بَقِيَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى فِي الْمَذْبُوحِ كَمَا لَوْ أَبَانَ رَأْسَهُ يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ مِنْهُ الصَّيْدُ غَيْرَ أَنَّهُ بَقِيَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْمَذْبُوحِ بِأَنْ كَانَ يَعِيشُ يَوْمًا أَوْ دُونَهُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَحْرُمُ بِالرَّمْيَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْحَيَاةِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ لِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْحَيَاةِ عِبْرَةً عِنْدَهُ فَصَارَ الْجَوَابُ فِيهِ وَالْجَوَابُ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَسْلَمُ مِنْهُ الصَّيْدُ سَوَاءٌ فَلَا يَحِلُّ، وَضَمِنَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ، وَهَذَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِالثَّانِي بِأَنْ كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ الصَّيْدُ مِنْهُ لِيَكُونَ الْقَتْلُ مُضَافًا إلَى الثَّانِي، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ مِنْ الْجُرْحَيْنِ أَوْ لَمْ يَدْرِ ضَمِنَ الثَّانِي مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ؛ لِأَنَّهُ جَرَحَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ، وَقَدْ نَقَصَهُ فَضَمِنَ مَا نَقَصَهُ ثُمَّ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحَيْنِ لِحُصُولِ الْمَوْتِ بِالْجُرْحَيْنِ فَكَانَ مُتْلِفًا نِصْفَهُ، وَهُوَ مَمْلُوكُ غَيْرِهِ فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ بِصُنْعِهِ، وَقَدْ ضَمِنَ الثَّانِي مَرَّةً فَلَا يَضْمَنُهُ ثَانِيًا ثُمَّ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَةِ لَحْمِهِ ذَكِيًّا لِأَنَّهُ بِالرَّمْيِ الْأَوَّلِ صَارَ بِحَالٍ يَحِلُّ بِذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الرَّمْيُ الثَّانِي فَهُوَ بِالرَّمْيِ الثَّانِي أَفْسَدَ عَلَيْهِ نِصْفَ اللَّحْمِ فَيَضْمَنُهُ، وَلَا يَضْمَنُ النِّصْفَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَهُ مَرَّةً فَدَخَلَ ضَمَانُ اللَّحْمِ فِيهِ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَإِنْ رَمَاهُ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ سَهْمُ الْأَوَّلِ فَقَتَلَهُ لَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَلَا يَضْمَنُ الثَّانِي شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ بَعْدَ مَا أَصَابَهُ سَهْمُ الْأَوَّلِ يَتَحَامَلُ، وَيَطِيرُ فَرَمَاهُ الثَّانِي، وَقَتَلَهُ يَكُونُ لِلثَّانِي، وَيَحِلُّ أَكْلُهُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِنْ رَمَى رَجُلَانِ صَيْدًا فَأَصَابَهُ سَهْمُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَأَثْخَنَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا ثُمَّ أَصَابَهُ سَهْمُ الْآخَرِ فَهُوَ لِلَّذِي أَصَابَهُ سَهْمُهُ أَوَّلًا، وَإِنْ رَمَيَاهُ مَعًا، وَلَوْ أَصَابَهُ السَّهْمَانِ مَعًا فَهُوَ لَهُمَا.
وَالْعِبْرَةُ فِي حَقِّ الْمِلْكِ بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ لَا بِحَالَةِ الرَّمْيِ، وَفِي حَقِّ الْحِلِّ تُعْتَبَرُ حَالَةُ الرَّمْيِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَإِنْ أَصَابَهُ سَهْمُ الْأَوَّلِ، فَوَقَذَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ سَهْمُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يُؤْكَلُ، وَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ وَرَمَى رَجُلٌ آخَرُ فَأَصَابَ السَّهْمُ الثَّانِي السَّهْمَ الْأَوَّلَ، وَأَمْضَاهُ حَتَّى أَصَابَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ جُرْحًا إنْ كَانَ السَّهْمُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الصَّيْدَ بِدُونِ الثَّانِي فَالصَّيْدُ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ الْآخِذُ حَتَّى لَوْ كَانَ الثَّانِي مَجُوسِيًّا أَوْ مُحْرِمًا لَا يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ السَّهْمُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَبْلُغُ الصَّيْدَ بِدُونِ سَهْمِ الثَّانِي، فَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ فِي الْأَخْذِ، وَهُوَ كَافٍ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي مُحْرِمًا أَوْ مَجُوسِيًّا لَا يَحِلُّ اسْتِحْسَانًا كَذَا فِي الْكَافِي.
وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَوْ دَخَلَ ظَبْيٌ دَارَ رَجُلٍ أَوْ حَائِطَهُ أَوْ دَخَلَ حِمَارُ وَحْشٍ دَارَ رَجُلٍ أَوْ حَائِطَهُ فَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَهُوَ لِرَبِّ الدَّارِ، وَكَذَلِكَ الْحَظِيرَةُ لِلسَّمَكِ، وَهَذَا الْجَوَابُ يُخَالِفُ جَوَابَ الْأَصْلِ.
وَفِي الْأَصْلِ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَاتَّبَعَهُ الْكَلْبُ حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي أَرْضِ رَجُلٍ أَوْ دَارِهِ كَانَ لِصَاحِبِ الْكَلْبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَدَّ عَلَى صَيْدٍ حَتَّى أَخْرَجَهُ، وَأَدْخَلَهُ دَارَ إنْسَانٍ فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ، وَاضْطَرَّهُ فَقَدْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي رَجُلٍ اصْطَادَ طَائِرًا فِي دَارِ رَجُلٍ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فَهُوَ لِلصَّيَّادِ سَوَاءٌ اصْطَادَهُ مِنْ الْهَوَاءِ أَوْ مِنْ الشَّجَرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ رَبُّ الدَّارِ: اصْطَدْتُ قَبْلَكَ، وَأَنْكَرَ الصَّيَّادُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ الْهَوَاءِ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ دَارِهِ أَوْ شَجَرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الدَّارِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَخْذِهِ مِنْ الْهَوَاءِ أَوْ الْجِدَارِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الدَّارِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً مِنْ نَهْرٍ جَارٍ لِرَجُلٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ صَيْدِهِ فَهُوَ لِلَّذِي أَخَذَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَجَمَةٌ لَا يُقْدَرُ عَلَى أَخْذِ صَيْدِهَا إلَّا بِالِاصْطِيَادِ فَصَاحِبُ الْأَجَمَةِ مَا صَارَ مُحْرِزًا لِمَا حَصَلَ فِيهَا مِنْ السَّمَكِ، وَإِنَّمَا الْمُحْرِزُ الْآخِذُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَجَمَةِ احْتَالَ لِذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَ الْمَاءَ وَبَقِيَ السَّمَكُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَجَمَةِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: إنْ أَخْرَجَ الْمَاءَ، وَلَيْسَ قَصْدُهُ السَّمَكَ فَهُوَ لِلْآخِذِ، وَإِنْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ أَخْذَ السَّمَكِ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهُ إلَّا بِصَيْدٍ فَهُوَ لِلْآخِذِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ صَيْدٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَجَمَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْمُنْتَقَى دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- نَحْلٌ اتَّخَذَتْ كُوَّارَاتٍ فِي أَرْضِ رَجُلٍ، فَخَرَجَ مِنْهَا عَسَلٌ كَثِيرٌ كَانَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَى أَخْذِهِ قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الصَّيْدَ وَبَيْضَهُ، وَأَشَارَ إلَى مَعْنَى الْفَرْقِ فَقَالَ: إنَّهُ يَجِيءُ، وَيَذْهَبُ وَالْبَيْضُ يَصِيرُ طَائِرًا وَيَطِيرُ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ الطَّيْرُ فِي هَذَا النَّحْلَ نَفْسَهَا، وَلَوْ أَخَذَ النَّحْلَ أَحَدٌ كَانَتْ لَهُ، وَأَمَّا الْعَسَلُ فَلَمْ يَكُنْ صَيْدًا، وَلَا يَصِيرُ صَيْدًا قَطُّ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا وَضَعَ رَجُلٌ كُوَّارَاتِ النَّحْلِ فَتَعَسَّلَتْ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْكُوَّارَاتِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي الْمُلْتَقَطِ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ حَمَامَةٌ ذَكَرٌ وَلِلْآخَرِ أُنْثَى فَالْفِرَاخُ لِصَاحِبِ الْأُنْثَى كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي شَرَائِطِ الِاصْطِيَادِ):

يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّيَّادُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْقِلَ الذَّبْحَ وَالتَّسْمِيَةَ حَتَّى لَا يُؤْكَلَ صَيْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا كَانَا لَا يَعْقِلَانِ الذَّبْحَ وَالتَّسْمِيَةَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِلَّةُ التَّوْحِيدِ دَعْوَى وَاعْتِقَادًا كَالْمُسْلِمِ أَوْ دَعْوَى لَا اعْتِقَادًا كَالْكِتَابِيِّ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَيُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْرِمًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْحَرَمِ حَتَّى لَا يُؤْكَلَ صَيْدُ الْمُحْرِمِ، وَلَا مَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ، وَلَا بَأْسَ بِصَيْدِ الْأَخْرَسِ الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّمْيِ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الرَّمْيِ، وَفِي إرْسَالِ الْكَلْبِ وَالْبَازِي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ وَقْتَ الْإِرْسَالِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الصَّيْدِ فِي الْإِرْسَالِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ بَازِيًا عَلَى صَيْدٍ فَأَخَذَ ذَلِكَ الصَّيْدَ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَخَذَ عَدَدًا مِنْ الصُّيُودِ يَحِلُّ الْكُلُّ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ مَا دَامَ فِي وَجْهِ الْإِرْسَالِ.
وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الرَّمْيِ أَوْ عِنْدَ إرْسَالِ الْكَلْبِ عَامِدًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَإِنْ تَرَكَ نَاسِيًا حَلَّ أَكْلُهُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ اخْتِيَارًا فَكَذَا اضْطِرَارًا كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَوْ أَرْسَلَ النَّصْرَانِيُّ أَوْ رَمَى وَسَمَّى الْمَسِيحَ لَمْ يُؤْكَلْ.
وَالْإِرْسَالُ شَرْطٌ فِي الْكَلْبِ وَالْبَازِي حَتَّى إنَّ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ إذَا انْفَلَتَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَأَخَذَ صَيْدًا وَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ، فَإِنْ صَاحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَلْبِ صَيْحَةً بَعْدَ مَا انْفَلَتَ، وَسَمَّى فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ بِصِيَاحِهِ بِأَنْ لَمْ يَزْدَدْ طَلَبًا وَحِرْصًا عَلَى الْأَخْذِ، فَأَخَذَ الصَّيْدَ لَا يُؤْكَلُ أَمَّا إذَا انْزَجَرَ بِصِيَاحِهِ أُكِلَ اسْتِحْسَانًا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَإِذَا أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَانْزَجَرَ بِزَجْرِهِ، فَلَا بَأْسَ بِصَيْدِهِ، وَالْمُرَادُ بِالزَّجْرِ الْإِغْرَاءُ بِالصِّيَاحِ عَلَيْهِ وَبِالِانْزِجَارِ إظْهَارُ طَلَبِ الزِّيَادَةِ، وَلَوْ أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ لَمْ يُؤْكَلْ، وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ ذَكَاتُهُ كَالْمُرْتَدِّ وَالْمُحْرِمِ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِيِّ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّيْدِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسْلِمِ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ أَنَّهُ إنَّمَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ إذَا زَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ فِي ذَهَابِهِ، فَأَمَّا إذَا وَقَفَ الْكَلْبُ عَنْ سُنَنِ الْإِرْسَالِ ثُمَّ زَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ وَانْزَجَرَ بِزَجْرِهِ لَا يُؤْكَلُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ.
وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ وَلَكِنَّهُ انْبَعَثَ الْكَلْبُ أَوْ الْبَازِي عَلَى أَثَرِ الصَّيْدِ بِغَيْرِ إرْسَالٍ وَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ فَأَخَذَ يَحِلُّ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَحِلَّ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ لَمْ يَحِلَّ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا، وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا، فَلَمَّا مَضَى الْكَلْبُ فِي أَثَرِ الصَّيْدِ سَمَّى وَزَجَرَهُ فَأَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ انْزَجَرَ بِزَجْرِهِ أَوْ لَمْ يَنْزَجِرْ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ.
مِنْ شَرَائِطِ الِاصْطِيَادِ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْإِرْسَالِ وَالرَّمْيِ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالْوَثَنِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، وَكَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ بَلْ يَتْبَعُ أَثَرَ الصَّيْدِ وَالْكَلْبِ، وَإِذَا تَوَارَى الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ عَنْ الْمُرْسِلِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ وَقْتٍ، وَقَدْ قَتَلَهُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ لَا يَتْرُكَ الطَّلَبَ حَتَّى وَجَدَهُ كَذَلِكَ وَالْكَلْبُ عِنْدَهُ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْقِيَاسُ: أَنْ لَا يُؤْكَلَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يُؤْكَلُ قَالُوا: هَذَا الشَّرْطُ لَازِمٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْكَلْبُ عِنْدَهُ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ.
فَأَمَّا إذَا وَجَدَ الصَّيْدَ مَيِّتًا وَالْكَلْبَ قَدْ انْصَرَفَ عَنْهُ لَا يُؤْكَلُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَإِذَا اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ اللَّيْلِ طَلَبَهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا، وَالْكَلْبُ عِنْدَهُ، وَبِهِ جِرَاحَةٌ لَا يَدْرِي أَنَّ الْكَلْبَ جَرَحَهُ، أَوْ غَيْرَهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ: كَرِهْتُ أَكْلَهُ، وَنَصَّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ، وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا وَجَدَهُ، وَبِهِ جِرَاحَةٌ وَاحِدَةٌ يَعْلَمُ أَنَّهَا جِرَاحَةُ الْكَلْبِ أَمَّا إذَا عَلِمَ بِالْعَلَامَةِ أَنَّهَا جِرَاحَةُ غَيْرِ الْكَلْبِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهَا جِرَاحَةُ الْكَلْبِ إلَّا أَنَّ بِهَا جِرَاحَةً أُخْرَى لَيْسَتْ مِنْ جِرَاحَةِ الْكَلْبِ لَا يُؤْكَلُ، تَرَكَ الطَّلَبَ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْبَازِي وَالصَّقْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ.
وَالْجَوَابُ فِي الرَّمْيِ هَكَذَا إذَا رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ أَصَابَهُ، وَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَبِهِ جِرَاحَةٌ أُخْرَى سِوَى جِرَاحَةِ السَّهْمِ لَا يُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ فِي طَلَبِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ، وَلَيْسَ بِهِ جِرَاحَةٌ أُخْرَى إنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِعَمَلٍ آخَرَ يُؤْكَلُ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ لَا يُؤْكَلُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي فَتَاوَى (آهُو) رَمَى طَيْرًا فِي الْمَاءِ، وَجَرَحَهُ فَاشْتَغَلَ الرَّامِي بِنَزْعِ الْخُفِّ ثُمَّ دَخَلَ الْمَاءَ بَعْدَ نَزْعِ الْخُفِّ فَوَجَدَ الطَّيْرُ مَيِّتًا بِذَلِكَ الْجُرْحِ قَالَ: يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي بَدِيعُ الدِّينِ: اشْتِغَالُ الرَّامِي بِنَزْعِ الْخُفِّ لَيْسَ بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ تَرَكَ الطَّلَبَ فَقَدْ حَرُمَ أَكْلُهُ.
سُئِلَ أَيْضًا رَمَى صَيْدًا، وَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالطَّلَبِ قَالَ: يَجُوزُ.
قِيلَ إذَا أَرْسَلَ الْكَلْبَ، وَلَمْ يُسَمِّ نَاسِيًا فَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ سَمَّى، وَلَمْ يَدْعُهُ حَتَّى أَخَذَ لَا يُؤْكَلُ، وَفِي الرَّمْيِ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ التَّدَارُكَ فِي الْكَلْبِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَدْعُوَهُ، وَفِي السَّهْمِ لَا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.